حسن بن موسى القادري
243
شرح حكم الشيخ الأكبر
مغمور وموجود فيه بالقوة ، وذلك الكامن فيه منه أي : من نفسه لا من غيره لوجوده فيه بالقوة ، ثمّ ظهر بالفعل بعد تحققه بشرائط الظهور ، قال الشيخ قدّس سرّه في فصوصه : « فما في أحد من اللّه شيء ، ولا في أحد من سوى نفسه شيء ، فكل أحد من شجرة نفسه جنى ثمرة علمه ، فعلى هذا لا يأتي إلى المعطى له شيء من سوى نفسه ، فإنه لا يأتيه شيء أصلا ما لم تقضيه عينه الثابتة في الحضرة العلمية ، فمن أي صورة وصل ذلك الشيء إليه ؟ فهو من نفسه لا غير ، لكن هذا باعتبار الفيض المقدس الذي به الموجودات الخارجية ، وأمّا باعتبار الفيض الأقدس الذي به الأعيان الثابتة ، فالأمر كله منه ابتداؤه وإليه انتهاؤه « فلا اعتراض حقا » فتأمل .
--> - فينبغي لكل من يدعى المعرفة أن يعرض صفاته عليها ؛ ليعلم هل هو متخلق بها أو لا فإن لم يجد نفسه بتلك المثابة كان المناسب له التحقق بالعجز وترك الدعوى واللّه أعلم . و « تزيد العرفان » : أي المعرفة بأحكام اللّه تعالى وما يليق بالأدب مع الحضرة العلية . والعلماء الذين يخشون اللّه تعالى أطباء دين اللّه ، المزيلون علله وأمراضه العارفون بالأدوية ، فإذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد اختلف الناس في أفعاله هل هي على الوجوب أو لا ؟ فكيف بغيره ؟ ! مع قول اللّه تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] وقوله : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] ، وهذا كله ليس بنص منه في وجوب الاتباع في أفعاله ؛ فإنه صلى اللّه عليه وسلم اختص بأشياء لا يجوز لنا ابتاعه فيها ، ولو أتته نيابة فيها كنا عاصين مأثومين ، فينبغي لكل مؤمن ويجب على كل مدع في طريق اللّه ، إذا لم يكن من أهل الكشف والوجود والخطاب الإلهي ، ومن لا يكون يطفأ نور معرفته نور ورعه أن يجتنب كل أمر يؤدي إلى تعلق القلب بغير اللّه تعالى فإنه فتنة في حقه ؛ فيجب عليه أن يغلّب عقله على شهوته ، ويسعى في قطع المألوفات وترك المستحسنات الطبيعية وما يميل الطبع البشري إليه ، ويجتنب مواضع التهم وصحبة المبتدعين في الدين ، ما لم يأذن له اللّه وهم الأحداث ، وكذلك الصباح الوجوه من المردان ومجالسة النساء وأخذ الإرفاق ؛ فإن القلوب تميل إلى كل من أحسن إليها والطبع يطلبهم ، والقوة الإلهية على دفع الشهوات ما هي هناك ، والمعرفة معدومة من هذا الصنف من الناس ، وما صبر تحت الاختبار الإلهي إلا الذهب الخالص المعدني ، الذي حاز زينة الكمال ، وما بقي فيه من تربة المعدن شيء ، وكل تكليف فتنة ، وجميع المخلوقات فتنة ، والاطلاع على نتائج الأعمال فتنة وهي حالة مقام يستصحب إلى الجنة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم وهو صاحب الكشف الأتم والعالم بما ثمّ يستعيذ من فتنة القبر وعذاب النار ومن فتنة المحيا والممات .